الجاحظ

157

البخلاء

كلَّه بين شرب وبول ، كيف يأخذه النوم » ؟ فإن قال : « ما هو إلا أن أضع رأسي ، فإنما أنا حجر ملقى إلى الصبح » ، قال : « ذلك لأن الطعام يسكر ويخدّر ويختر « 1 » ويبلّ الدماغ ويبلّ العروق ويسترخي عليه جميع البدن . ولو كان في الحقّ لكان ينبغي أن تنام الليل والنهار » . فإن قال : « أصبحت وأنا لا أشتهي شيئا » ، قال : إياك أن تأكل قليلا ولا كثيرا ، فإن أكل القليل على غير شهوة أضرّ من الكثير مع الشهوة ، قال الخوان : « ويل لي مّمن قال لا أريد . وبعد ، فكيف تشتهي الطعام اليوم ، وأنت قد أكلت بالأمس طعام عشرة » ؟ وكان كثيرا ما يقول لندمائه : « إياكم والأكل على الخمار « 2 » . فإن دواء الخمار الشراب . الخمار تخمة ، والمتخم إذا أكل مات لا محالة . وإياكم والإكثار في عقب الحجامة « 3 » والفصد « 4 » والحمّام . وعليكم بالتخفيف في الصيف كله . واجتنبوا اللحم خاصّة » . وكان يقول : ليس يفسد الناس إلا الناس . هذا الذي يضرط ويتكلم الكلام البارد وبالطرف المستنكرة ، لو لم يصب من يضحك له ، وبعض من يشكره ويتضاحك له ، أوليس هو عنده إلا أن يظهر العجب به ، لما ضرط الضارط ، ولما تكلف النوادر إلا أهله . قول الناس للأكول النّهم وللرّغيب الشرّة : « فلان حسن الأكل » هو الذي أهلكه وزاد في رغبه ، حتى جعل ذلك صناعة ، وحتى ربما أكل ، لمكان قولهم وتقريبهم وتعجّبهم ، ما لا يطيقه فلا يزال قد هجم على قوم ، فأكل زادهم وتركهم

--> « 1 » يختر : يفسد الاسترخاء الذي يصيب الانسان من شراب أو مرض أو نحوهما . « 2 » الخمار : ما يخالط الانسان من السكر الصداع والألم الناتجان عن شرب الخمر . « 3 » الحجامة : عالجه بالحجامة وهي مداواة عربية قديمة . والمحجم ما يشبه الكأس يوضع على الجسم ويضغط عليه . « 4 » الفصد : شق العرق .